اليوم فقط علم التونسيون أنّ رئيس حكومتهم صار تونسيا ''خالصا'' !!

0
4

بقلم: شكري بن عيسى (*)

سيل جارف من الشفافية نزل اليوم على رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، فقد توجه للشعب على التوالي عبر منشورين على شبكة التواصل الاجتماعي، الأول يعلمه فيه بتخليه رسميا على الجنسية الفرنسية ، والثاني يعلمه بقيامه بالتصريح الجبائي بتاريخ 5 أوت الجاري ، والحال أنّ علاقة الوضوح والشفافية وجب أن لا تكون مناسباتية، فضلا عن أنّ رئيس حكومة بلد يفرض عليه الواجب الوطني السياسي، أن لا يحمل سوى جنسية بلده.

فلا يمكن ولا يقبل بحال أن يحمل اطارا ساميا في الدولة جنسية ثانية اضافة لجنسيته التونسية، فما بالك بوزير أو رئيس حكومة، اذ حمل جنسية أخرى يعني كسب صفة المواطنة لدولة ثانية، وهذا يمنح المواطن المعني حقوق اخرى ولكن ايضا يضع عليه التزامات ازاء بلده الثاني، أدبية ووطنية وقانونية وقضائية، قد تصل الى واجب الدفاع (حين يتعرض بلده الثاني لعدوان) بالسلاح عن الوطن، ورئيس الحكومة ليس أيّ شخص، فهو رأس السلطة التنفيذية، وبيده كل مصالح البلد العليا والأخطر هو أمنها القومي.

والاطلاع على كل المعلومات المتعلقة بالدفاع والامن الداخلي، لشخص في اعلى مستوى يحمل جنسية ثانية فيه خطورة كبرى وتهديد للامن القومي، والمبدأ والقاعدة أن لا يحمل المسؤول السامي سوى جنسية وطنه، وأن يبقى رئيس حكومة أكثر من ثلاث سنوات حاملا جنسية أخرى، فضلا عن مدة شغله لعضوية الحكومة في كتابة دولة ووزارة، فهذا الحقيقة فيه دلالات سيئة جدا، من ناحية عدم التزام المسؤول بما تعنيه الوطنية، التي لا تجزّأ بين وطنين، ومن ناحية عدم علم الشعب بالأمر، طوال كل هذه الفترة.

واليوم فقط علم الشعب المخدوع أنّ رئيس حكومته أصبح تونسيا، بعدما كان مزدوج الجنسية، أي تونسي-فرنسي، وان كان الدستور لا يشترط الجنسية التونسية فقط لشغل منصب رئاسة الحكومة، فهذا قد يكون من باب السهو، لان تونسية الجنسية دون سواها التي يفرضها على رئيس الجمهورية، المتعيّن بل بأحرى وأولى أن تفرض على رئيس الحكومة، التي يحمل في عديد المناحي سلطات اوسع واخطر من رئاسة الجمهورية، وبقطع النظر عن القانون فلا يمكن منطقا وعقلا ووجاهة أن يحمل رئيس حكومة بلد جنسية ثانية، وعدم التخلي عنها حين شغل المنصب فيه غشّ للشعب.

والامر تجتمع فيه واجبات الالتزام بجنسية واحدة بواجب الوضوح والشفافية، وفي بلدان أخرى تقع معاقبة الاخلال الفادح فوريا في الحد الادنى بعزل المعني، فالالتزام الحصري بمصالح الوطن العليا لا جدال فيه للمنصب الاعلى في السلطة التنفيذية، وهو ما لا يمكن ان يتحقق حين يحمل المعني جنسية أخرى، اذ قد يتمتّع بحصانات وحقوق وتدخّل بلده الثاني، حين ارتكاب جرائم أو حصول تتبعات قضائية.

الشاهد ادعى كعادته أن « ضرورة » العمل والاقامة هي التي فرضت عليه الجنسية الثانية، وهي اعذار متهافتة عند تقلده اعلى المناصب السيادية في بلده، ما يفرض عليه فوريا حينها التخلي عن الجنسية الثانية، الامر الذي لم يحصل لأنّ المعني لم يرد التخلي على مصالحه الاضافية الثانية، واليوم لا يمكن اعتبار الامر مبدئيا بربطه بالترشّح للرئاسة، فشغل رئاسة الحكومة يستوجب وطنيا وسياسيا حمل الجنسية التونسية فقط، واليوم يتّضح أنّ الامر دعائيا بعد تقلّص الحظوظ في الرئاسة له الى أدنى مستوى، بالبحث عن كسب نقاط من « أثر الاعلان » بطريقة بطولية (فدائية).

لن نطيل التعليق حول التصريح بالمداخيل، ولكن ما لا نعلمه حقا هو هل التصريح شمل هذه السنة بمناسبة الانتخابات أم هو كلّ سنة؟ وهذا ما لم يكشفه الشاهد لانه لم يقدم التصريح بالسنوات السابقة، والسؤال الاهم هو هل الشاهد مداخيله في هذا المستوى فحسب؟ أي مرتبطة بالاساس براتبه كرئيس حكومة، ولا يملك أيّة مشاريع تجارية او صناعية او فلاحية او مالية أخرى؟! السؤال الذي ننتظر من دائرة المحاسبات أو بعض المنظمات المدنية أن تجيبنا عنه، بعد أن يئسنا من هيئة الطبيب الغارقة في النزل الفارهة والسفرات السياحية.

وتبقى في المحصّلة قضية الجنسية بالفعل من الخطورة بمكان وهي أدبية اعتبارية اخلاقية بالاساس، وتظهر الى أيّ حدّ صارت السلطة مستباحة، والشعب يستهان به والمرجعيات واعراف الدولة وهيبتها تداس، فكيف يقبل أن يحمل مسؤول اعلى في الدولة شعار: « نموت ونحيا على عهدها » لبلده الاول، وفي نفس الوقت شعار Amour sacré de la Patrie، لبلده الثاني، والامر تحتد خطورته لما يكون المعني في اعلى منصب في الدولة، والاستهانة الاكبر هي ببقاء الشعب طول هذه المدة مخدوعا، ليسمع اليوم فقط أن رئيس حكومته صارا تونسيا.. « خالصا » !!

(*) باحث في القانون وفي الفلسفة السياسية

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici